انظر إلى الفارق بين زمنهم وزمننا ..
ما كان عليه السلف الصالح من الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم حين يذكر

قال القاضي عياض رحمه الله تعالى : و اعلمْ أن حرمته صلى الله عليه وسلم ـ أي احترامه و الأدب معه ـ بعد موته و توقِيْرَهُ و تعظيمَه صلى الله عليه وسلم لازمٌ كما كان حال حياته في الدنيا في الدنيا ـ أي : لأنه لم يزل رسول الله و نبيَّه ـ و ذلك ـ الاحترام و التعظيم ـ عند ذكره و ذِكر حديثه و سنته , و سماع اسمه و سيرته , و معاملةِ آله و عِتْرته , و تعظيم أهل بيته و صحابته صلى الله عليه وسلم .
قال أبو ابراهيم التُّجيبيُّ : واجبٌ على كل مؤمن متى ذكره صلى الله عليه وسلم , أو ذُكر عنده صلى الله عليه وسلم أن يخضع و يخضع و يتوَقَّر و يسكِّن من حركته , و يأخذ في هيبته و إجلاله بما كان يأخذُ به نفسَه لو كان بين يديه صلى الله عليه وسلم ـ أي : لو كان حاضراً في مجلسه فَيَفْرِض ذلك و يلاحظه كأنه عنده ـ و يتأدب بما أدبنا الله تعالى به . اهـ .

قال تعالى : ( لا تجعلُوا دعاءَ الرسولِ بينكم كدعاء بعضِكم بعضاً ) الآية , و قال تعالى : ( و رفعنا لك ذكرك ) .
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى : و هذه ـ أي الطريقة الأدبية المرضية ـ كانت سيرةَ سلفنا الصالح و أئمتنا الماضين .
ثم روى بسند صحيح (1) عن ابن حُمَيْد ـ بالتصغير ـ أحد رواة الإمام مالك قال :
ناظر أبو جعفر أميرُ المؤمنين ـ أي المعروف بالمنصور ـ مالكاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع صوته في المناظرة .
فقال له ـ أي الإمام مالك : يا أمير المؤمنين لا ترفعْ صوتَك في هذا المسجد , فإن الله تعالى أدَّب قوماً فقال : ( لا ترفعوا أصواتكم فوقَ صوتِ النبي ) الآية , و مدح قوماً فقال : ( إن الذين يَغُضُّون أصواتَهم عند رسولِ الله أولئك الذين امتحنَ الله قلوبَهم للتقوى ) الآية , و ذم قوماً فقال : ( إن الذين ينادونك من وراء الحُجُراتِ أكثرُهم لا يَعقلون ) , و إن حرمته صلى الله عليه وسلم ميتاً كحرمته حياً , فاستكان لها أبو جعفر . أي : خضع و خشع لمقالة الإمام مالك رحمه الله تعالى .
و قال أبو جعفر المنصور للإمام مالك رحمه الله تعالى : يا أبا عبد الله أستقبل القبلة ـ استفهام فيه استرشاد ـ و أدعو ؟ أم أستقبلُ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ؟
فقال له مالك رحمه الله تعالى : و لِمَ تصرفُ وجهك عنه ؟! ـ أي : عن مقابلته و مواجهته حال الدعاء ـ و هو وسيلتُك و وسيلةُ أبيك آدمَ عليه الصلاة و السلام إلى يوم القيامة , بل استقبلْه و استشفعْ به فيشفِّعَه الله تعالى فيك ـ أي : و يقبل دعاءك ـ قال الله تعالى : ( وَ لوْ أنهم إذْ ظلموا أنفسَهم جاؤوك فاستغفروا الله و استغفرَ لهم الرسولُ لوجدوا الله تواباً رحيماً ) . اهـ .
قال العلامة الخفاجي رحمه الله تعالى في معنى قول مالك : ـ و هو وسيلتك و وسيلة أبيك آدمَ عليه الصلاة والسلام إلى يوم القيامة ـ قال : أي هو صلى الله عليه وسلم الشفيع المشفَّع , المتوسَّلُ به إلى الله تعالى يوم القيامة , إشارة إلى حديث الشفاعة العظمى , و إلى ما ورد من أن الداعي إذا قال : اللهم إني أستشفعُ إليك بنبيك , يا نَبيَّ الرحمة اشفعْ لي عند ربك استُجيبَ له ـ و هو يشير بذلك إلى حديث الأعمى الوارد عن عثمان بن حُنيف , كما جاء في السنن .
ثم قال الخفاجي رحمه الله تعالى : و قيل في قوله ـ وسيلة أبيك آدم ـ إن آدم عليه الصلاة و السلام لما أكل من الشجرة ثم ندم قال : يا رب أسألك بحق محمد إلا غفرتَ لي .
فقال الله تعالى له : كيف عرفتَ محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ؟.
فقال : لأني رأيت على قوائم العرش : لا إله إلا الله محمد رسول الله , فعرفتُ أنك لم تُضِفْ لنفسك إلا أحبَّ الخلق إليك .
فقال سبحانه : صدقت يا آدم إنه لأحبُّ الخلقِ إليَّ , و لولاه ما خلقتك . قال : و هو حديث صحيح رواه الحاكم . اهـ .
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى :
و قال مالك : و قد سئل عن أيوب السَّختِياني ـ التاب
عي الجليل إمام الفقهاء و المحدثين , روى عنه مالك و الثوري و غيرهما ـ قال : ما حدثتكم عن أحد إلا و أيوبُ أفضلُ منه , قال مالك : و حجَّ أيوب حجتين ـ أي : و كنت حاجاً إذ ذاك ـ فكنت أرمُقُه ـ أي : أنظر إليه و أرقبه ـ , ولا أسمع منه شيئاً , غير أنه كان إذا كان ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى أرحمه ـ أي : حتى يرقَّ قلبي عليه رحمةً له ـ فلما رأيتُ منه ما رأيتُ و إجلالَه للنبي صلى الله عليه وسلم كتبت عنه . أي : كتبت عنه الحديث و رويته عنه اهـ .
و قال مصعب بن عبد الله الحافظ أحد رواة الإمام مالك , و عنه روى الشيخان و غيرهما , قال : كان مالك إذا ذُكِرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عنده يتغيَّر لونه ـ بأنْ يصفرَّ كما هو شأن من عَظُمَتْ خشيته ـ و ينحني حتى يصعُبَ ذلك على جلسائه , فقيل له يوماً في ذلك ـ أي في سبب ذلك ـ فقال : لو رأيتم ما رأيتُ لما أنكرتم عليَّ ما ترون . أي : لو عرفتم ما عرفت من جلال مقامه صلى الله عليه وسلم و جمال مَرامه , أو المعنى : لو أبصرتم ما أبصرت من مشاهدة جماله صلى الله عليه وسلم و مطالعة جلاله و هيبة مقام كماله : لما أنكرتم عليَّ ما ترون من اضطراب حالي و تغيُّر لوني .
و لقد كنت أرى محمدَ بنَ المنكدر ـ أي : الحافظ أخرج له الستة , تابعي جليل ـ قال : و كان سيد القراء , لا نكاد نسأله عن حديث أبداً إلا يبكي حتى نرحمه ـ أي من كثرة بكائه ـ .
و قال مالك رحمه الله تعالى : ولقد كنت أرى جعفر بن محمد الصادق و كان كثير الدُّعابة و التبسّم , فإذا ذُكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم اصفرَّ, و ما رأيته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهارة . أي : وضوء تعظيماً لحديثه صلى الله عليه وسلم .
قال مالك رحمه الله تعالى : و لقد اختلفت إليه ـ أي : ذهبت إليه مراراً كثيرة مختلفة ـ و ما كنت أراه إلا على ثلاث خصال : إما مصلياً , و إما صامتاً , و إما يقرأ القرآن , و لا يتكلم فيما لا يعنيه , و كان ـ أي الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه ـ من العلماء و العُبَّاد الذين يخشون الله تعالى .
_________________
(1) كما نبه على ذلك العلامة الخفاجي في شرحه .
Like this:
Be the first to like this post.
تم إدخال هذه البيانات في في 0, يوليو 26th, 2009 في 13:59 وهي متضمنة تحت تصوف وسلوك وتزكية. Tagged: و رفعنا لك ذكرك, الأدب, الأدب مع النبي, الإمام مالك, الخفاجي, عياض.
You can feed this entry.
You can leave a response, or trackback from your own site.
There are no comments on this post.
اترك رد