الياقوت والزبرجد في عصمة سيدنا أحمد صلى الله عليه وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا النبي وآله وصحبه أجمعين وبعد :

d8a7d984d985d988d8a7d8acd987d8a9-d8a7d984d8b4d8b1d98ad981d8a9-d8a7d984d8b7d8a7d987d8b1d8a93

فهذا كلام رائع للشيخ الإمام المفسر المحدث عبد الله سراج الدين الحسيني رضي الله عنه وموضوع البحث هو حفظ الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم من الخطأ والباطل وتسديده بالحق والصواب في جميع أحواله من كتاب سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شمائله الحميْدة . خصاله المجيْدة وهذا هو :

ــــــــــــــــــــــــــــــ

حفظ الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم من الخطأ والباطل وتسديده بالحق والصواب في جميع أحواله

إن الله تعالى قد أيَّد رسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالحق , وسدَّده في أقواله وأفعاله في جميع أحواله , في حال رضاه وغضبه , وحال جِدِّه ومزاحه , وحال صحته ومرضه .
فكان صلى الله عليه وسلم إذا غضب لا يخرجه غضبه عن الحق والصواب , بل هو على الحق في حال غضبه , كما هو على الحق في حال رضاه , بخلاف غيره من الأمة , فإن الغضب قد يخرجهم عن الاعتدال والنطق بالصواب , ولذلك نبهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أنه لا يَعتريه ما يعتري غيرَه في حال الغضب , بل هو على كمال الاعتدال , وصواب الأقوال والأفعال , في سائر الأحوال .
روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو قال : كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه , فنهتني قريش وقالوا : أتكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بَشرٌ يتكلم في الغضب والرضا ؟! فأمسكت عن الكتابة , فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم .
فأومأ بأصبعه إلى فيه-أي : فمه- فقال : ” اكتبْ , فو الذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق ” .
وعند الدرامي : ” اكتب , فو الذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق ” .
نعم ما خرج من فمه صلى الله عليه وسلم وما يخرج منه إلا حق! .
كما أن مزاحه صلى الله عليه وسلم حق وليس فيه باطل ؛ ولذا قال صلى الله عليه وسلم ” إني لأمزح ولا أقول إلا حقاً”.
وقال : ” لستُ من دَدٍ – أي : لست من أهل اللهو واللعب – ولا الدَّدُ مني , ولست من الباطل ولا الباطل مني ” الحديث كما تقدم في مزاحه صلى الله عليه وسلم.
فليس للشيطان عليه تأثير فيخرجه عن الحق والصواب , بل هو معصوم من ذلك كما تقدم .
وليس للغضب ونحوه عليه تأثير يخرجه عن كمال الاعتدال , وعن الحق والصواب في الأقوال والأعمال , ولذا قال : ” اكتب كل شيء تسمعه مني , فوالله ما يخرج منه – أي : من فمه – إلا حق”.
وليس له من نفسه الطيبة الطاهرة الزكية النقية إلا داعيةُ الخير والحق والصواب والصدق , ولذا قال : ” لست من ددٍ ولا الدد مني , ولست من الباطل ولا الباطل مني “.
فكان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صائبَ الرأي , سديدَ النظر , حفظه الله من الخطأ في جميع قضاياه وآرائه , وكيف لا يكون كذلك وقد أعطاه الله تعالى العقل الواسع الأكمل , والعلم الفائض الأفضل , ودقَّة النظر , وقوَّة الفكر , وكمال التبصُّر في جميع ميادين الأمور!.
وقد شهدت له بذلك المشاهد ورجالها , وأثبتت له ذلك الوقائع وقوادها , حتى إنه صلى الله عليه وسلم كان يرى الرأي في الأمور , فإذا خالف بعضُ الصحابة رأيه , عاد الأمر عليهم بالوبال والشر.
وخذ مثالاً لذلك قضية يوم أحد :
فإنه صلى الله عليه وسلم عيَّن خمسين من الرماة , وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير , وأمرهم أن يقيموا في موضعٍ عيَّنه لهم , وقال لهم : ” احْمُوا ظهورنا , فإنْ رأيتمونا نُقتل فلا تنصرونا , وإن رأيتمونا نغنم فلا تَشْرَكونا ” .
وفي رواية قال لهم : ” إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا , وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا ” اهـ كما في السِّيَر .
وفي (مسند ) الإمام أحمد قال لهم صلى الله عليه وسلم : ” إن رأيتمونا تخطَفنا الطير فلا تبرحوا , حتى أرسل إليكم “.
فلما هَزم المسلمون المشركين قال أصحاب عبد الله : الغنيمةَ! ظهر أصحابكم فما تنتظرون ؟
فقال لهم عبد الله : أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
فقالوا : إنا والله لنأتينَّ فلنصيبنَّ من الغنيمة .
فإذا بالمشركين يأتون من الثغرة وراء المسلمين التي كانت محمية بالرماة , وحملوا على المسلمين فانهزم كثير منهم – وكان ذلك بسبب مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم .
وقد تقدم في بحث أرجحية عقله الشريف صلى الله عليه وسلم أنواع من الوجوه الدالَّة على سداد نظره , وصواب رأيه في مواقفه الخاصة والعامة , وفي مواقفه مع أعدائه , وفي جميع المعارك والحروب.
وقد ذهب الجمهور من العلماء والمحققين إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم عن الخطأ بعصمة الله تعالى له , واستدلوا على ذلك بوجوه من الأدلة المفصلة في مطوَّلات كتب التفسير وأصول الفقه.
قالوا : وإن نسبة الخطأ إليه صلى الله عليه وسلم في أمرٍ ما , تحتاج إلى دليل يثبت ذلك , ولم يرد نص من آية أو حديث تثبت تخطئته صلى الله صليه وسلم في أمر من الأمور ؛ بل ولم يرد على لسان الصحابة نسبة الخطأ إلى النبي صلى الله عليه وسلم أصلاً .
وذهب جماعة من العلماء إلى أنه يجوز الخطأ عليه صلى الله عليه وسلم دون أن يُقَرَّ عليه , لتنبيه الوحي إياه , واستدلوا على ذلك بقصة أسرى بدر , وقصة تأبير النخل , وربما أوردوا قصة نزوله صلى الله عليه وسلم يوم بدر في مكان ثم تحوّله عنه ؛ عملاً برأي الحُباب بن المنذر .

ولكن لدى التحقيق وتسديد النظر, يتضح أنه ليس للاستدلال بذلك على ما قالوه من أثر , بل إن الصواب هو فيما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيما قاله قطعاً , وإنه لم يخطئ رسول الله صل الله عليه وسلم في جميع ذلك أصلاً .
بيان ذلك :
أما قصة أسرى بدر : فهي كما في ( المسند ) عن أنس رضي الله عنه أنه قال :
استشار النبي صلى الله عليه وسلم الناسَ في الأسرى يوم بدر فقال : ” إن الله تعالى قد أمكنكم منهم ” .
فقام عمر بن الخطاب فقال : يا رسول الله اضرب أعناقهم , فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم .
ثم عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ” يا أيها الناس إن الله قد أمكنكم منهم , وإنما هم إخوانكم بالأمس ” .
فقام عمر فقال : يا رسول الله اضرب أعناقهم , فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم – فقال للناس مثل ذلك .
فقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال : يا رسول الله نرى أن تعفو عنهم , وأن تقبل منهم الفداء .
قال : فذهب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان فيه من الغم , فعفا عنهم , وقبل منهم الفداء , قال : وأنزل الله تعالى : [ لولا كتابٌ من الله سَبَق لمسَّكم فيما أخذتم عذاب عظيم ].
وفي رواية لأحمد أيضاً :
استشار النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعلياً1 , فقال أبو بكر : يا نبي الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان , وإني أرى أن تأخذ منهم الفداء , فيكون ما أخذناه منهم قوةً لنا على الكفار , وعسى الله أن يهديهم فيكونوا لنا عَضُداً .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ” ما ترى يا عمر؟ ” .
فقال : والله ما أرى ما رأى أبو بكر , ولكن أرى أن تمكنِّي من فلانٍ – قريبٍ لعمر- فأضربَ عنقه , وتمكِّن علياً من عقيل , فيضربَ عنقه , وتمكن حمزة من فلان , فيضربَ عنقه , حتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هوادةٌ للمشركين , هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم.
قال عمر : فهوِي رسول الله صلى الله عليه وسلم – أي : أحب – ما قال أبو بكر , ولم يهوَ ما قلت , وأخذ منهم الفداء .
فلما كان من الغد قال عمر : فغدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وهما يبكيان .
فقلت : ما يبكيك أنت وصاحبك ؟ فإن وجدتُ بكاءً بكيت , وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ” أبكي للذي عرض عليَّ أصحابك من أخذهم الفداء , لقد عُرض عليَّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة ” – لشجرة قريبة من النبي صلى الله عليه وسلم وأنزل الله عز وجل : [ ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يُثخِنَ في الأرض ] إلى قوله تعالى : [ فكلوا ممّا غنمتم حلالاً طيباً ] فأحلَّ الله لهم الغنائم.
وروى مسلم وأبو داود والترمذي نحواً من هذا .
فهذه قصة الأسرى يوم بدر , وليس في النصوص الواردة فيها ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم أخطأ – أي : لم يُصب فيما سلكه مع الأسرى يوم بدر- بل إن من تأمَّل في هذه القصة وتدبَّر آياتها وأحاديثها يتضح له جلياً أنه صلى الله عليه وسلم كان مصيباً فيما فعله , وذلك من وجوه متعددة :
الوجه الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم عمل بذلك , بمقتضى المشاورة التي أمره الله تعالى بها في قوله :[ وشاورهم في الأمر فإذا عزمتَ فتوكَّل على الله ] .
الوجه الثاني : أنه صلى الله عليه وسلم جَنَح إلى رأي من قال بالفداء وهَوِيه – أي : أحبَّه – لما فيه من الرحمة والعطف واللين , بمقتضى المقام الذي أقامه تعالى فيه , وهو قوله تعالى : [ وما أرسلناك إلا رحمة بالعالمين ] حتى إنه صلى الله عليه وسلم لما قيل له يوم أحد – وقد أصيب بجراح – قيل له : ادعُ الله على المشركين , فقال : ” إنما بعثت رحمة – اللهم اهد قومي فإنه لا يعلمون ” .
الوجه الثالث : أن فعله صلى الله عليه وسلم كان موافقاً لما سبق في الكتاب الأول , الذي قضى الله تعالى فيه حِلَّ الغنائم له صلى الله عليه وسلم خاصَّة , ولم تحِلَّ لأحد قبله , كما قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : [ لولا كتاب من الله سبق ] : يعني في أم الكتاب الأول , أن المغانم والأسارى حلال لكم [ لمسكم فيما أخذتم] من الأسرى [عذاب عظيم] .اهـ.
قال الحافظ ابن كثير : وروي مثله عن أبي هريرة وابن مسعود , وسعيد بن جبير وعطاء , والحسن البصري وقتادة والأعمش أيضاً , أن المراد :لولا كتاب من الله سبق لهذه الأمة , بإحلال الغنائم , لمسَّكم فيما أخذتم عذاب عظيم .
وهو اختيار ابن جرير رحمه الله تعالى . اهـ .
فإن قيل : ليس في الآية دليل على حل الفداء , وإنما هي في حل الغنائم !

أجيب : بأن الفداء في معنى الغنائم , لأنه مال مأخوذ من الكفرة , ويشهد لذلك قوله صلى الله عليه وسلم : “وأحلت لي الغنائم , ولم تكن تحِلُّ لأحد قبلي ” فإن هذا الحديث بيَّن ما دلت عليه الآية من تخصيصه صلى الله عليه وسلم بذلك – كما في( شرح) الزرقاني .
وفي (تفسير) العلامة الآلوسي رحمه الله تعالى : قال محيي السنة : رُوي أنه لما نزلت الآية الأولى , كف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أيديَهم عما أخذوا من الفداء , فنزلت هذه الآية وهي : [فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً ..] الآية .
أي : فعرفوا حِلَّ الفداء من هذه الآية .
قال : فالمراد بقوله تعالى : [ مما غنمتم ] إما الفداء , وإما مطلق الغنائم , والمراد – أي : ويكون المراد – بيان حكم ما اندرج فيها من الفدية . اهـ .
الوجه الرابع : وكما أن قبوله صلى الله عليه وسلم الفداء , وافق قضاء الله تعالى السابق في الكتاب الأول , فإنه وافق أيضاً الشرع اللاحق النازل في الكتاب الحكيم , وهو قوله تعالى : [ فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً..] الآية .
فكيف يقال في أمرٍ وافق الكتابَ الأول , ووافق الشرعَ النازل بعدُ ,كيف يقال : إنه خطأ ؟! – ويتضح ذلك بالوجه الخامس .
الوجه الخامس : أن نزول التشريع بإحلال الغنائم , وهو قوله تعالى : [ فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً ] هو إقرار لما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم , وتصويب لما رآه , إذ لو كان فعله صلى الله عليه وسلم خطأً , كيف يقره الله تعالى عليه ويجعله شرعاً باقياً ؟ حتى إنه على قول من جوَّز الخطأ عليه صلى الله عليه وسلم دون أن يقره الله عليه , لا يقال : إنه صلى الله عليه وسلم أخطأ في قضية أسرى بدر , لأن الله تعالى أقره على ذلك فمن أين يأتي الخطأ؟! .
قال الحافظ ابن كثير في (تفسيره) : وقد استمر الحكم في الأسرى عند جمهور العلماء , أن الإمام مخيَّر فيهم :
1- إن شاء قَتَل , كما فُعل ببني قُريظة , 2- وإن شاء فادى بمال كما فُعل بأسرى بدر , أو –فادى – بمن أُسر من المسلمين , كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الجارية وابنتها اللتين كانتا في سَبي سلمة بن الأكوع , حيث ردَّهما وأخذ في مقابلتهما من المسلمين الذين كانوا عند المشركين , 3- وإن شاء استرقَّ مَنْ أُسر.
هذا مذهب الإمام الشافعي وطائفة من العلماء , وفي المسألة خلاف بين الأئمة مقرَّ في موضعه من كتب الفقه . اهـ كلام ابن كثير.
الوجه السادس : لو كان موقفه صلى الله عليه وسلم مع أسرى بدر خطأ , لأمره الله تعالى أن يردَّ الفداء , وأن يستغفر الله تعالى من الخطأ الذي وقع فيه , مع أنه سبحانه أقرّه على ذلك وشرع له ذلك فقال : [ فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً ] الآية – فلو كان خطأ لما أقرَّه الله تعالى عليه , ولما شرع له ذلك .
الوجه السابع : لو كان فعله صلى الله عليه وسلم بأسرى بدرٍ خطأً , لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتدح ويتحدَّث بنعمة الله عليه في حلِّ الغنائم له , مع أنه صلى الله عليه وسلم كان يتحدَّث بما بما خصَّه الله تعالى به من الخصائص , ومن أعظمها وأعمِّها وأنفعها : تلك العطايا الخمسة الخاصَّة به صلى الله عليه وسلم , كما ورد في (الصحيحين) وغيرهما , عن جابر رضي الله عنه , أن النبي صلى اله عليه وسلم قال : ” أعطيتُ خمساً لم يعطهنَّ أحد قبلي : كان كل نبيٍّ يُبعثُ إلى قومه خاصَّةً , وبُعثُ إلى الأحمر والأسود , وأُحلَّت ليَ الغنائم ولم تحلَّ لأحد قبلي .. ” الحديث .
قال العلاَّمة الخطابي : كان من تقدَّم – أي : شرائعهم – على ضربين :
مِنهم مَن لم يُؤذن له في الجهاد , فلم يكن لهم غنائم .
ومنهم مَنْ أذن لهم فيه , لكن كانوا إذا غنموا شيئاً لم يحلّ لهم أن يأكلوه , وجاءت نار فأحرقته . اهـ.
الوجه الثامن : أن موافقته صلى الله عليه وسلم على أخذ الفداء من الأسرى , فيه حكمة رشيدة وخطّة سديدة , وذلك أن الشرع الذي ينزل بعده :
إمَّا : أن يُقرَّه على فعله فهو المقصود , وقد حصل ذلك والحمد لله .
وإما : أن يأمره بردِّ الفداء وضرب الرقاب , فحين ذاك يردُّ الفداء على الأسرى , ويضرب الرقاب .
ولكن لو أنه كان ضَرَب أعناق الأسرى , وجاء الشرع بعدُ بقبول الفداء منهم , فماذا يعمل صلى الله عليه وسلم حينئذ؟ فكان تريُّثه في القتل هو عينُ الحكمة , وتبيَّن أنه الصواب – ولذا أقرَّه سبحانه وشرعه .
وفي (أحكام القرآن ) للقاضي أبي بكر بن العربي رحمه الله تعالى :
فإن قيل : فقد اختار النبي صلى الله عليه وسلم الفداء مع الصحابة الذين اختاروا الفداء , فهل يكون ذنباً منه ؟
قلنا : كذلك توهَّم بعض الناس فقال : إنه كان من النبيِّ معصية غير معنيَّة .
قال القاضي أبو بكر : وحاشا لله من هذا القول , إنما كان من النبي صلى الله عليه وسلم توقف وانتظار – أي : لأن يحكم الله تعالى في ذلك – ولم يكن القتل ليفوت , مع أنهم كانوا قد قَتَلوا الصناديد , وأثخنوا في الأرض – وذلك أنهم قتلوا من صناديد المشركين يوم بدر سبعين , ثم أسروا سبعين – فانتظر النبي صلى الله عليه وسلم : هل ذلك كافٍ – أي : في الإثخان – أم لا ؟ وهذا بيِّنٌ عند أهل الإنصاف . اهـ.

الوجه التاسع : كيف يُحكم بأنه صلى الله عليه وسلم أخطأ في أسرى بدر , مع أنه صلى الله عليه وسلم أُمِرَ أن يخيِّر أصحابه في ذلك , ثم عمل بمقتضى ذلك :
فقد روى الترمذي والنسائي , وابن حبان والحاكم , بإسناد صحيح , عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : جاء جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر , فقال له : ” خيِّر أصحابك في الأسارى ؛ إن شاءوا القتل , وإن شاءوا الفداء , على أن يُقْتل منهم – أي : الصحابة – في العام المقبل مثلهم ” .
فقالوا : نختار الفداء , ويُقتل منا – أي : يقتل منهم سبعون رغبةً في الشهادة في سبيل الله تعالى .
وعند سعد من مرسل قتادة : فقالوا : بل نُفاديهم , فنقوى بهم عليهم , ويدخل العامَ القابلَ منا الجنة سبعون – ففادوهم.
قال الحافظ القسطلاني : وهذا دليل على أنهم لم يفعلوا إلا ما أُذن لهم فيه . اهـ .
الوجه العاشر : كيف يُحكم بأنه صلى الله عليه وسلم أخطأ في قبول الفداء من أسرى بدر مع أنه صلى الله عليه وسلم كان قبل غزوة بدر , فادى سريَّة عبد الله بن جحش , التي قتل فيها عمرو بن الحضرمي , ولم يعتب الله تعالى عليه في ذلك .
فقد جاء في السّيَر وغيرها أنه صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش في سرية يعترض بها عِير قريش , فنزلوا بطن نخلة – موضعاً قريباً من مكة – فقتلوا عمرو بن الحضرمي وأسروا عثمان بن عبد الله , والحكم بن كيسان , وهرب من هرب , فاستاقوا العير ..
وبعثت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء الأسيرين , وهما : عثمان بن عبد الله , والحكم بن كيسان .
فقال صلى الله عليه وسلم : ” لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا – يعني سعداً وعتبة2 – فإنا نخشاكم عليهما , فإن تقتلوهما تقتل صاحبَيْكم ” .
فقدم سعد وعتبة بعدهم بأيام – ففداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم كل واحد بأربعين أوقية .
فأما الحكم بن كيسان فأسلم وحسن إسلامه , وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيداً.
وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة فمات بها كافراً .
وقد كانت هذه السريَّة في رجب , وقيل في جمادى الآخرة, وكانت غزوة بدر في رمضان , وكلاهما في ثانية الهجرة , فما عتب الله تعالى على أخذ الفداء في تلك السرية , فلو كان ممنوعاً لعتب سبحانه3 .
الوجه الحادي عشر : أن قوله تعالى [ ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يُثخن في الأرض , تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة .. ] الآية : ليس فيها معاتبة للنبي صلى الله عليه وسلم أصلاً , وإنما فيها العتاب لمن أشار على النبي صلى الله عليه وسلم بالفداء , بُغية عرَض الدنيا , وهو المال المفدى به , حين استشار عامَّة الناس , قبل أن يستشير خاصتهم : أبا بكر وعمر وعلياً رضي الله عنهم , كما تقدم .
فأراد يقوله سبحانه : [ تريدون عرَض الدنيا ] أولئك النفر الذين أرادوا المال .
أما سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يَقصد بقبول الفداء عرَض الدنيا , وحاشاه من ذلك ! فإن الدنيا كلها مالها قيمة عنده , وقد قال صلى الله عليه وسلم : ” مالي وللدنيا ! ما أنا والدنيا إلَّا كراكب استظلَّ تحت شجرةٍ , ثم راح وتركها ” , وقد عرضت عليه جبال تهامة أن تكون له ذهباً فأبى , فأين هو من عرَض الدنيا !.
كما أن قوله تعالى : [ لولا كتاب من الله سبق لمسَّكم فيما أخذتم عذاب عظيم . فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً ] فإن هذا إعلانٌ منه سبحانه بنعمته ومنَّته على هذه الأمة , بفضل نبيها صلى الله عليه وسلم وإعلامٌ بأنه سبق منه القضاء , في الكتاب الأسبق , بحِلِّ الغنائم لهذه الأمة دون غيرها , فضلاً منه ونعمةً , بفضل نبيها وكرامته على الله تعالى .
ومن ثَمَّ كان صلى الله عليه وسلم يُشِيد بهذه المنقَبَة ويتحدث بهذه النعمة في جملة من المناقب التي خصه الله تعالى بها فيقول : ” أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي : كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة , وبعثت إلى الأحمر والأسود , وأحلَّت ليَ الغنائم , ولم تكن تحل لأحد قبلي .. ” الحديث كما تقدم .
فكما أن إرساله إلى الناس عامَّةً دون غيره , وجَعْل الأرض له مسجداً دون غيره , كل ذلك كان عن قضاء من الله تعالى سابق , وحكم شرعي محكم من الله تعالى لاحق , فكذلك جاء إحلال الغنائم أيضاً , فهو شرع مبني على حِكَم وإحكام .
فاعتبِر في ذلك وتبصَّر , وأنصف وتدبَّر .
ولذلك قال القاضي أبو زيد رحمه الله تعالى :
فإن قيل : أليس الله تعالى عاتب رسوله على الفداء , وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لو نزل العذاب ما نجا إلا عمر ” فدلَّ على أن أبا بكر كان مخطئاً ؟

قلنا : هذا لا يجوز أن يُعتقد , فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمل برأي أبي بكر , ولا بدَّ أن يقع عمل رسول الله إذا أُقِرَ عليه – صواباً- والله تعالى قرَّره عليه فقال : [ فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً ..] الآية .
وتأويل الآية : [ ما كان لنبيٍّ أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ] وكان لك – يا رسول الله صلى الله عليه وسلم – كرامةً خُصّصتَ بها رخصةً , لولا كتاب من الله سبق بهذه الخصيصة لمسَّكم العذاب , لحكم العزيمة على ما قال عمر .
ثم قال القاضي أبو زيد رحمه الله تعالى : والوجه الآخر – أي : في تأويل الآية – : ما كان لنبي أن يكون له أسرى قبل الإثخان , وقد أثخنتَ يوم بدر , فكان لك الأسرى كما كان لسائر الأنبياء عليهم السلام , ولكن كان الحكم في الأسرى : المنّ أو القتل دون المفاداة , فلولا الكتاب السابق في إباحة الفداء لك – يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لمسَّكم العذاب .
ثم قال القاضي رحمه الله تعالى : ولو كان حكمه صلى الله عليه وسلم فيه خطأ , لكان الأمر بالنقض –أي : بردّ الفداء والأمر بالقتل – مع أنه ليس فيه إلزامُ ذنب للنبي صلى الله عليه وسلم , بل فيه بيان ما خُصَّ به وفُضِّل به من بين سائر الأنبياء فكأنه سبحانه قال : ما كان هذا لنبيٍّ غيرك , وأما الخطاب بقوله : [ تريدون ] : فهو لمن أراد منهم ذلك , وليس المراد بالمريد النبيَّ صلى الله عليه وسلم لعصمته4 . اهـ بحروفه .
وقال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) : اختلف السلف في أيِّ الرأيَيْن كان أصوب ؟ :
فقال بعضهم : كان رأي أبي بكر , لأنه وافق ما قدَّر الله تعالى في نفس الأمر , ولما استقرَّ عليه الأمر , ولدخول كثير منهم في الإسلام , إمَّا بنفسه , وإمَّا بذريته التي وُلدت بعد الوقعة , ولأنه ولفق غلبة الرحمة على الغضب , كما ثبت ذلك عن الله تعالى في حقِّ من كتب له الرحمة .
وأما من رجَّح الرأي الآخر : فتمسك بما وقع من العتاب على أخذ الفداء .
لكن الجواب عنه : أنه لا يدفع حجة الرجحان عن الأول – أي : بل الرأي الأول له الرجحان على غيره – بل ورد- العتاب- للإشارة إلى ذمِّ مَن آثر شيئاً من الدنيا على الآخرة ولو قلَّ . اهـ .
يعني أن العتاب الذي قد يفهم من الآية , موجَّه لمن أراد بالفداء عَرَض الدنيا , وهم بعض الناس الذين أشاروا عليه بالفداء , حين استشار النبي صلى الله عليه وسلم عامة الناس , قبل أن يستشير خاصتهم , كما تقدم .
أما قضيَّة تأبير النخل : فقد ورد في (صحيح) مسلم و(المسند) عن أنس رضي الله عنه , أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ بقوم يُلقِّحون النخل فقال : ” لو لم تفعلوا لصلح ” .
قال : فخرج شِيصاً .
فمرَّ بهم صلى الله عليه وسلم فقال : ” ما لنخلكم ؟ ” .
قالوا : قلتَ كذا وكذا !.
قال : ” أنتم أعلمُ بأمر دنياكم ” .
فمن هذا الحديث فهم بعض الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم قد يخطئ في أمور الدنيا , وراح يقول : أخطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في كذا وأخطأ في كذا !! .
ولكن الحق أحقُّ أن يتبع , وذلك أن أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله يُفسِّر بعضها بعضاً , ويشبه بعضها بعضاً , وأن الله تعالى حفظه عن الخطأ كما حفظه من الخطيئة , فنقول وبالله التوفيق :
أولاً : إنه صلى الله عليه وسلم قد نشأ في تلك الأراضي المباركة التي هي منابت النخيل , وتربى بين قوم يعلمون فنون زرع النخيل , وما يتطلبه من عنايات ولِقاحات , وكيف يُتصور في حقه صلى الله عليه وسلم أن تخفى عليه تلك العادة المطَّرِدة في إنتاج النخيل , ولزوم التلقيح له بموجب الأصول الزراعية ؟ في حين أن ذلك ليس من خفايا معلومات الزراعة لشجر النخيل , ولا من غوامضها ؛ إذاً لا بد وأنه يعلم ذلك كما يعلمون , ولكن أراد أن يظهر لهم أمراً لا يستطيعون نيله بأنفسهم .
ثانياً : إن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي نال من العلوم ما نال , وأفاض الله تعالى عليه ما أفاض , حتى أنه ذكر للصحابة وبحث لهم في كل شيء .
كما روى الطبراني عن أبي ذرّ رضي الله عنه قال : ( تركَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلُب جناحيه في الهواء , إلا وهو ذكر لنا منه علماً ) .
فكيف يتصور أنه يخفى عليه صلى الله عليه وسلم أن النخيل لا يحتاج إلى تلقيح بمقتضى العادة في علم الزراعة ؟ ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أمراً آخر.
ثالثاً : إن الذي يدلنا على ذلك الأمر الآخر الذي أراده صلى الله عليه وسلم هو النظر في أشباه هذه الواقعة الصادرة منه صلى الله عليه وسلم , ومن ذلك حديث : ” ناوِلْني الذراع “.
ففي (المسند) عن أبي رافع5 قال :صُنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاةٌ مَصْليَّة فأُتي بها فقال : ” يا أبا رافع ناولْني الذراع “6 فناولته .

ثم قال : “ناولني الذراع” فناولته .
ثم قال : ” ناولني الذراع ” فقال : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم هل للشاة إلا ذراعان ؟! .
فقال صلى الله عليه وسلم ” لو سكتَّ لناولتني منها ذراعاً ما دعوتُ به “.
قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه الذراع .
قال في (مجمع الزوائد) : رواه أحمد والطبراني من طرق , وقال في بعضها : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أصْلِيَ له شاةً فَصَلَيْتُها .
ورواه في ( الأوسط ) باختصار , وأحد إسنادي أحمد حسن . اهـ.
وعن أبي عبيد1 أنه : طَبخ لرسول الله صلى الله عليه وسلم قدراً فيها لحم .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ناولني ذراعَها ” فناولته .
فقال : ” ناولني ذراعها ” فناولته .
فقال صلى الله عليه وسلم : ” ناولني ذراعها ”
فقال : يا نبيَّ الله كم للشاة من ذراع ؟! .
فقال له صلى الله عليه وسلم : ” والذي نفسي بيده لو سكتَّ لأعطيتَ ذراعاً ما دعوتُ به ” .
وهذه القصة غير التي تقدمت , كما نبه عليه الحافظ الزرقاني وغيره .
وفي (مجمع الزوائد) عن ابن إسحاق قال : حدثني رجل من بني غِفار , في مجلس سالم بن عبد الله , قال : حدثني فلان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتي بطعامٍ : خبزٍ ولحمٍ .
فقال صلى الله عليه وسلم : ” ناولني الذراع ” فنُووِل ذراعاً فأكله .
ثم قال : ” ناولني الذراع ” فنُوول ذراعاً فأكله .
ثم قال : ” ناولني الذراع ” فقال : يا رسول الله إنما هما ذراعان !
فقال : ” وأبيك لو سكتَّ ما زلتُ أناوَل منها ذراعاً ما دعوتُ به” .
قال : ورواه أحمد وفيه راوٍ لم يسمَّ.
فقوله صلى الله عليه وسلم : ” ناولني الذراع ” في المرة الثالثة – مع العلم أن الشاة لها ذراعان – إنما أراد أن يظهر أمراً معجزاً فيه الإكرام , وفيه البرهان , وفيه الإشهاد بالعيان , ولكن لما لم يجد محلاً قابلاً , لم تظهر تلك المعجزة .
ولذلك قال الحافظ الزرقاني عند قوله صلى الله عليه وسلم : ” أما إنك لو سكتَّ لناولتني ذراعاً فذراعاً ما سكتَّ ” – أي : مدة سكوتك , لأنه سبحانه يخلق فيه ذراعاً فذراعاً , معجزةً له صلى الله عليه وسلم , فحملتِ المناوِلَ عجلتُه المركبةُ في الإنسان على قوله : إنما للشاة ذراعان , فانقطع المدد , لأنه إنما كان من مدد الكريم سبحانه , إكراماً لخلاصة خلقه صلى الله عليه وسلم , فلو تلقاه المناوِلُ بالأدب , ساكتاً مُصْغِياً إلى ذاك العجب : لكان شكراً منه مقتضياً لتشريفه بإجراء هذا المدد على يديه , ولكنه تلقَّاه بصورة الإنكار , فرجَع الكرم مولِّياً , لما لم يجد قابلاً , إذ لا يليق لمشاهدة هذه المعجزة العظيمة – إذ في شهودها نوع تشريف للمطلع عليها – إلا لمن كمل تسليمه ولم يبقَ فيه أدنى حظٍّ ولا إرادة . اهـ .
وهكذا في حادثة تأبير النخل , لما مرَّ صلى الله عليه وسلم بقوم يؤبِّرون النخل , أراد أن يُكرمهم ويُتحِفهم , وأن يظهر لهم معجزة خارقة للعادة المطردة في إصلاح النخيل بالتأبير , فيكرمهم خاصة بصلاحه دون تأبير , إذ هو صلى الله عليه وسلم ممن يعلم بموجب العادة حاجة النخيل إلى تأبير كما يعلمون , لأنه صلى الله عليه وسلم بينهم مطلع على أمورهم .
ولكن لمَّا لم تقبل قلوب بعض أولئك النفر , ولم تستسلم كل الاستسلام إلى قوله صلى الله عليه وسلم : ” لو لم تفعلوا – أي : التأبير – لصلح ” بل وقفوا عند معلوماتهم الدنيوية المطردة من فنِّ زراعة النخيل , وأن صلاحه موقوف على التأبير , فلم يلق الكرم محلاً قابلاً فرجع .
ولذلك ردّهم صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إلى الأسباب المعتادة لديهم , المعلومة عندهم التي وقفوا عندها ولم يجاوزوها فقال لهم : ” أنتم أعلم بأمور دنياكم ” – أي : فارجعوا إلى العمل بموجب علمكم بأمور دنياكم .
ويشهد لصحة ما قلناه , وصواب ما فهمناه , من أنه صلى الله عليه وسلم لم يخطئ في ذلك , قولُ الشيخ العارف بالله تعالى , صاحبِ (الإبريز) نفعنا الله تعالى بمعارفه , حين سئل عن حديث تأبير النخل ؟
فقال رضي الله عنه :
قوله صلى الله عليه وسلم : ” لو لم تفعلوا لصلحت ” كلام حق , وقول صدق , وقد خرج منه هذا الكلام على ما عنده من الجزم واليقين بأنه تعالى هو الفاعل بالإطلاق , وذلك الجزم مبني على مشاهدة سَرَيان فعله تعالى في سائر الممكنات مباشرةً بلا واسطة ولا سبب , بحيث إنه : لا تسكن ذرة , ولا تتحرك شعرة , ولا يخفق قلب , ولا يضرب عرق , ولا تطرف عين , ولا يومئ حاجب , إلّا وهو تعالى فاعله مباشرة من غير واسطة .

وهذا أمر يشاهده النبي صلى الله عليه وسلم كما يشاهد غيره وسائرَ المحسوسات , ولا يغيب ذلك عن نظره لا في اليقظة ولا في المنام , لأنه صلى الله عليه وسلم لا ينام قلبه الذي فيه هذه المشاهدة , ولا شكَّ أن صاحب هذه المشاهدة تطيح الأسباب من نظره , ويترقّى عن الإيمان بالغيب إلى الشهود والعيان ؛ فعنده من قوله تعالى : [ والله خلقكم وما تعملون ] مشاهدة دائمة لا تغيب , ويقين يناسب هذه المشاهدة , وهو أن يجزم بمعنى الآية جزماً لا يخطر معه بالبال نسبة الفعل إلى غيره تعالى , ولو كان هذا الخاطر قدر رأس النملة .
قال : ولا شك أن هذا الجزم الذي يكون على هذه الصفة , تُخرَق به العوائد , وتنفعل به الأشياء , وهو سرُّ الله تعالى الذي لا يبقى معه سبب ولا واسطة .
فصاحب هذا المقام إذا أشار إلى سقوط الأسباب , ونسبةِ الفعل إلى ربّ الأرباب كان قوله حقاً , وكلامه صدقاً .
قال : وأما صاحب الإيمان بالغيب فليس عنده في قوله تعالى : [ والله خلقكم وما تعملون ] مشاهدة , بل إنما يشاهد نسبة الأفعال إلى من ظهرت على يده , ولا يجذبه إلى معنى الآية ونسبة الفعل إليه تعالى إلا الإيمان الذي وهبه الله تعالى ؛ فعنده جاذبان :
أحدهما : من ربه وهو الإيمان الذي يجذبه إلى الحق .
وثانيهما : من طبعه وهو مشاهدة الفعل من الغير الذي يجذبه إلى الباطل .
فهو بين هذين الأمرين دائماً , لكن تارة يقوى الجاذب الإيماني , فتجده يستحضر معنى الآية السابقة ساعة وساعتين , وتارة يقو الجاذب الطبيعي فتجده يغفل عن معناه اليوم واليومين , وفي أوقات الغفلة ينتفي اليقين الخارق للعادة .
فلهذا لم يقع ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم لأن – أولئك النفر – من الصحابة رضي الله عنهم فاتهم اليقين الخارق وقتئذٍ , الذي اشتمل عليه باطنه صلى الله عليه وسلم , وبحسبه خرج كلامه الحق , وقوله الصدق صلى الله عليه وسلم .
ولمَّا علم صلى الله عليه وسلم العلَّة في عدم وقوع ما ذكره – لهم – وعلم أن زوال تلك العلَّة ليس من طوقهم رضي الله عنهم – وقتئذ – أبقاهم على حالتهم , وقال : ” أنتم أعلم بأمور دنياكم ” اهـ كلام (الإبريز) .
وعلى كل حال ف إنه لا يقال : أخطأ صلى الله عليه وسلم في قصة تأبير النخل , كما لا يقال : إنه صلى الله عليه وسلم أخطأ في قوله لأبي عبيد : ” ناولني الذراع ” في المرة الثالثة , فإن ذلك ليس من باب الخطأ , بل من باب الصواب , وإرادة الإكرام والإتحاف لأولئك النفر , بأمر فيه اليمن والبركة على وجه خارق للعادة , ولكن تخلَّف ذلك لوجود المانع والعارض .
ونظير هذا : انقطاعُ مدد الإكرام والبركة من ظرف السمن , الذي بارك فيه النبي صلى الله عليه وسلم لما عصرته أم مالك ؛ كما جاء في (صحيح) مسلم وغيره , عن جابر رضي الله عنه , أن أم مالك الأنصارية كانت تُهدي النبي صلى الله عليه وسلم من عكّةٍ لها سمناً , فيأتيها بنوها فيسألونها الأدُم – وفي رواية : فيسألون السمن – وليس عندهم شيء , فتعمد – أي : تقصد – إلى الظرف الذي كانت تُهدي فيه , فتجد فيه سمناً , فما زال يُقيم لها أدُم بيتها حتى عصرتْه – أي : عصرت الظرف فنفذ السمن – فأتت النبي صلى الله عليه وسلم – أي : ذكرت له ذلك – .
فقال صلى الله عليه وسلم ” عصرتيها ؟ ” , قالت : نعم .
فقال صلى الله عليه وسلم : ” لو تركتيها ما زال – أي : السمن – قائماً ” .
وروى مسلم عن جابر رضي الله عنه , أن رجلاً من أهل البادية , أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم يَستطعمه , فأطعمهُ شَطر وَسْقٍ من شعير , فما زال يأكل منه وامرأتُه وضيفُهما – أي : أضيافهما الذين ينزلون عندهما – حتى كاله – أي : فنقص – فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره .
فقال له : ” لو لم تكلْه لأكلتم منه – أي : دائماً يكفيكم – وأقام لكم ” أي : مدة الحياة من غير نقص .
فالكيل العارض منع المدد الفائض .
وقد بين الإمام النووي حكمة ذلك كله حيث قال : قال العلماء : الحكمة في ذلك أن عصرها وكَيْله , مضادَّة للتسليم والتوكل على رزق الله تعالى , ويتضمن التدبير والأخذ بالحول والقوة , وتكلّف الإحاطة بأسرار حكم الله تعالى وفضله .
فعوقب فاعله بزواله . اهـ 8 .
قال الحافظ الزرقاني : ولا يعارض هذا قوله صلى الله عليه وسلم : ” كِيلوا طعامكم يبارك لكم فيه ” لأنه فيمن يخشى الخيانة , أو كيلوا ما تخرجونه للنفقة لئلا يخرج أكثر من الحاجة أو أقل , بشرط بقاء الباقي مجهولاً , أو كيلوا عند الشراء , أو عند إدخاله المنزل . اهـ .
أما قضية الحُباب بن المنذر يوم بدر : فهي كما روى ابن إسحاق 9 أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يُبادرهم إلى الماء , حتى جاء إلى ماءٍ في بدر , فنزل به .

فقال الحُباب بن المنذر : يا رسول الله هذا منزلٌ أنزلكه الله , لا تتقدمه ولا تتأخر عنه , أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ .
فقال صلى الله عليه وسلم : ” بل هو الرأي والحرب والمكيدة ” .
فقال الحباب : فإن هذا ليس بمنزل , فانهض بالناس , حتى تأتي أدنى ماءٍ من القوم فننزل , ثم نغوِّر 10 ما وراءه من الطلب , ثم نبني عليه حوضاً فنملؤها ماءً , فنشرب ولا يشربون – أي : المشركون – .
فقال صلى الله عليه وسلم : ” أشرتَ بالرأي ” .
وعند ابن سعد : فنزل جبريل فقال : ” الرأي ما أشار به الحباب ” .
فليس في هذا الحديث ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مخطئاً في رأيه , لأن هذه الواقعة لست من باب إلزام القضية أو التزامها , إنما هي من باب عرض القضية , لإبداء رأي أهل الرأي والخبرة في ذلك , على عادته صلى الله عليه وسلم من عرضه أمثال هذه الأمور على أهل الرأي من الصحابة , ومشاورتهم فيها .
وليس ذلك من باب أنه رأي رآه صلى الله عليه وسلم واستحسنه والتزمه , وراح يحمل الناسَ عليه ويُلزمهم به! بل من باب عرض القضية للرأي والمشاورة فيها .
ويدل على ذلك صريح قوله صلى الله عليه وسلم للحباب : ” أشرتَ بالرأي ” فكان موقفه صلى الله عليه وسلم موقفَ المستشير الذي عرض القضية ولم يلتزمها , ولو أنه صلى الله عليه وسلم رأى ذلك أو التزام ذلك لحمل الصحابة على ذلك ولاستمرَّ على ذلك صلى الله عليه وسلم .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش
1: قال في (شرح المواهب) : وفي هذا دليل على أنه صلى الله عليه وسلم استشار الناس عامة , كما تقدم في قوله : ” يا أيها الناس” الحديث.
واستشار هؤلاء الثلاثة خاصة كما دل عليه هذا الحديث , ولم يذكر عن علي كرم الله وجهه جواب مع أنه أحد المستشارين
2: أي : لأنهما كانا في السرية , ولكنهما تأخرا في العودة
3: راجع (المواهب وشرحها) و (شرح الشفا) للقاضي عياض
4: وقد نقل هذا عن القاضي أبي زيد في كتاب (التقرير والتحبير) على (تحرير الكمال) ابن الهمام في بحث الاجتهاد 3 : 297 وغيره من كتب
5: أبو رافع القبطي مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم , أسلم ومات في أول خلافة أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه . اهـ من (شرح) الزرقاني.
6: الذراع : هو اليد من كل حيوان , ولكنه من الإنسان من طرف المرفق إلى طرف الأصبع الوسطى , يؤنث ويذكر , ومن البقر والغنم : ما فوق الكراع , وهو المراد هنا . اهـ من الزرقاني
7: قال في (شرح المواهب) 328:4 : أبو عبيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم , ذكره الحاكم أبو أحمد فيمن لم يعرف اسمه من الصحابة , هكذا في نسخ (المصنف) : أبي عبيد , بلا هاء على المعروف , ولعله الواقع عند الدرامي وإلا فالذي في الترمذي : أبي عبيدة بهاء . قال الحافظ العراقي : هكذا في أصل سماعنا من كتاب (الشمائل) أبي عبيدة بزيادة تاء التأنيث , وهكذا دكره المزي في (الأطراف) . اهـ .
8: انظر (شرح) مسلم 41:15 .
9:انظر (سيرة) ابن هشام وغيرها .
10 : بالغين المعجمة وشد الواو أي : ندفنها ونذهبها – كما في (شرح المواهب) .

There are no comments on this post.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: