انظر إلى الفرق بين زمنهم و زمننا ….

و قال مالك رحمه الله تعالى : و لقد كان عبد الرحمن بن القاسم ـ أي : ابن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ـ أحد فقهاء المدينة , كان يَذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيُنظر إلى لونه كأنه نَزِفَ منه الدم , و لقد جفَّ لسانه في فمه هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
و قال مالك رحمه الله تعالى : و لقد كنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير , فإذا ذُكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم بكى , حتى لا يبقى في عينيه دموع .
و قال رحمه الله تعالى : و لقد رأيت الزهريَّ ـ و كان من أهنأ الناس و أقربِهم ـ فإذا ذُكِرَ عنده النبي صلى الله عليه و سلم فكأنه ما عرفك و لا عرفته .
و قال رحمه الله : و لقد كنتُ آتي صفوانَ بن سُلَيم و كان من المتعبِّدين المجتهدين ـ يقال إنه لم يَضَعْ جنبه على الأرض أربعين سنةً ـ فإذا ذُكِر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بكى حتى يقوم الناس عنه و يتركوه . أي : لطول بكائه .
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى : و يُروى عن قتادةَ رضي الله عنه أنه كان إذا سمع الحديث أخذه العَويلُ و الزَّويل . أي : القلق و العناء .
و لما كَثُر على مالكٍ الناسُ ـ لسماع الحديث النبوي ـ قيل له : لو جَعَلتَ مستملياً يُسمعهم , فقال : قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تَرفعُوا أصواتَكم فوقَ صوتِ النبي ) الآية , و حرمتُه صلى الله عليه وسلم حياً و ميتاً سواءٌ .انتهى .
و كان ابن سيرين رحمه الله تعالى ربما يَضحك , فإذا ذُكر عنده حديثُ النبي صلى الله عليه وسلم خَشَع .
و كان عبد الرحمن بن مهديّ إذا قرأ حديث النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالسكوت و قال : ( لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ) يتأوَّل الآية التي تلاها بِجَعْل الصوت شاملاً لحكايته , و أنه عامٌّ لهما ـ أي : و كذا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوتِ راوي حديثه صلى الله عليه وسلم ـ قال : و يتأوَّل أنه يجب له من الإنصات عند قراءة حديثه ما يجب له عند سماع قوله صلى الله عليه وسلم . انتهى .
قال العلامة الخفاجي في شرحه : فإنْ قلتَ : ما نقله الإمام مالك من أنه لم يَرْضَ بمستملٍ يبلِّغ الناس عنه ؟ قلتُ : حاله الأول كان قبل كثرة الناس جداً , بحيث يسمعون كلامه بغير واسطة , ثم كثُر الناسُ عليه بعد ذلك فرأى أن المستمليَ لا بدَّ منه فاتَّخذه للضرورة .
و روى الدارمي في ( سننه ) عن عمرو بن ميمون قال : كنت لا تفوتني عشيةُ خميسٍ إلا آتي فيها عبد الله بن مسعود , فما سمعته يقول لشيء قطُّ ( قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ) حتى كانت ذات عشية , فقال ابن مسعود : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال : فاغرورقتْ عينا ابنِ مسعود , و انتفختْ أوداجُه , فأنا رأيته محلولةً أزراره و قال : أومثلُه أو نحوُه أو شبيهٌ به .
وروى الدارمي أيضاً عن الشعبي و ابن سيرين أن ابن مسعود كان إذا حدَّث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في الأيام تربّد وجهه ـ أي : تغير وجهه ـ و قال : هكذا أو نحوه , هكذا أو نحوه .
و روى أيضاً عن علقمة قال : قال عبد الله بن مسعود : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم ارتعد ـ أي ارتعد ابن مسعود ـ ثم قال : نحو ذلك أو فوق ذاك .
و قال الإمام مالك رضي الله عنه : جاء رجل إلى ابن المسيَّب فسأله عن حديث , وهو ـ أي ابن المسيَّب ـ مضطجع فجلس و حدَّثه , فقال الرجل ـ السائل ـ : ودِدْتُ أنك لم تَتَعَنَّ ـ أي : لم تتعب و لم تتكلف العناء بالجلوس ـ فقال ابن المسيَّب : كرهتُ أن أحدِّثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم و أنا مضطجع .
و قال عبد الله بن المبارك رضي الله عنه : كنت عند مالك رضي الله عنه و هو يحدثنا فلدغتْه عقربٌ ست عشرة مرةً و هو يتغيَّر لونه و يصفرُّ ؛ و لا يقطع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم , فلما فرغ من المجلس ـ أي : مجلس التحديث ـ و تفرَّغ عنه الناس , قلت له : يا أبا عبد الله لقد رأيت منك اليوم عجباً , قال : نعم , لدغتني عقربٌ ست عشرة مرة و أنا صابرٌ في جميع ذلك , و إنما صبرت إجلالاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .
و قال ابن مهدي : مشيت يوماً مع مالك إلى العقيق , فسألته عن حديث , فانتهرني و قال لي : كنت في عيني أجلَّ من أن تسألَ عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم و نحن نمشي .
و قال مطرِّفُ بن عبد الله : كان إذا أتى الناسُ مالكاً ـ أي : وقفوا على بابه ـ خرجتْ إليهم الجارية فتقول لهم : يقول لكم الشيخ : تريدون الحديث ـ أي رواية الأحاديث النبوية ـ أو المسائل ـ أي : رواية الفروع الفقهية ـ ؟ فإن قالوا : المسائل , خرج إليهم ـ أي على هيئته كما هو على حالته ـ و إن قالوا : الحديث , دخل مغتَسَله فاغتسل ـ أو توضأ وضوءً كاملاً , كما ورد عنه من طريق آخر ـ و تطيَّب و لبس ثياباً جدداً و لبس ساجه ـ أي : طيلسانه , و قيل : الأخضر خاصة , و في القاموس : هو الطيلسان الاخضر أو الأسود ـ و تعمَّم , و وضع على رأسه رداءه , و تُلْقى ـ أي توضع ـ له مِنصَّة , فيخرج فيجلس عليها و عليه الخشوع , و لا يزال يبخَّر بالعود حتى يفرغ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم , و لم يكن يجلس على تلك المنصة إلا إذا حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم , فقيل له في ذلك ؟ فقال : أحبُّ أن أعظِّم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم , و لا أحدُّث به إلا على طهارة متمكناً . انتهى .
و قال ابن أبي أويس : كان مالك يكره أن يحدِّث ـ أي بالحديث النبوي ـ في الطريق أو هو قائم أو مستعجل , و قال ـ أي مالك ـ : أحبُّ أن أفهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . ـ أي : على الوجه الكامل ـ .
و حكى ضرار بن مرة عن السلف رضي الله عنهم أنهم كانوا يكرهون أن يحدثوا على غير وضوء .

رد واحد

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: